محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

312

شرح حكمة الاشراق

بأن ينفصل منه شئ ، فقد علمت أنّ الانفصال والاتّصال من خواصّ الأجرام ، لأنّ الانفصال عدم الاتّصال فيما يمكن عليه الاتّصال ، وهو الأجسام والأبعاد . وتعالى ، أي : ارتفع وتنزّه ، نور الأنوار عن ذلك ، أي خواصّ الأجرام ، ولا بأن ينتقل عنه شئ ، إذ النّور المنتقل عنه لا يكون جوهرا ، لأنّه تعالى لا جزء له ، ليفصل منه جزء وينتقل ، ولا عرضا ، إذ الهيئات لا تنتقل ، لما عرفت من استحالة الانتقال في الأعراض ، مع أنّ نور الأنوار لا هيئة له نوريّة ولا ظلمانيّة ، ليتوهّم فيها الانتقال ، كما في شعاع الشّمس ، أو ليحتاج إلى بيان امتناع انتقالها عنه . وإليه أشار بقوله : وعلمت استحالة الهيئآت على نور الأنوار . فيما سلف من الأبحاث ، فلا حاجة إلى الإعادة . وقد ذكرنا لك فصلا يتضمّن أنّ الشّعاع ، حصوله من الشّمس ليس إلّا على أنّه موجود به ، فحسب ، إذ ليس حصوله منها بانفصال جسم منها أو انتقال عرض كذلك بل إذا ارتفع الحجاب بينها وبين المستنيرات المستعدّة للاستنارة ، ( 157 ) كالأجرام الكثيفة المقابلة لها ، وتوسّط جرم شفّاف بينهما ، أفاض العقل هيئة نوريّة على ذلك المقابل المستعدّ . وإذا عرفت هذا ، في حصول الشّعاع ، وهو نور جسمانىّ عارض ، فهكذا ينبغي أن تعرف في كلّ نور شارق ، في حصول كلّ نور شارق عقلىّ عارض أو مجرّد ، ولا يتوهّم فيه نقل عرض أو انفصال جسم . بل الصّادر من الواجب لذاته وغيره من المجرّدات ، إن كان هيئة عقليّة ، وهي النّور الشّارق العارض ، فشرط حصوله استعداد النّور المجرّد القابل له وحينئذ . يحصل له إشراق عقلىّ وهيئة نوريّة في ذاته للاستعداد المقتضى لذلك ؛ وإن كان جوهرا عقليّا ، وهو النّور الشّارق المجرّد ، فشرط حصوله جهة مّا في علّته تقتضى ظهوره . فحينئذ يظهر قائما بذاته بلا زمان ولامكان . وذلك إشراق عقلىّ وظهور روحانىّ . فظهر من هذه المباحث : أنّ الأشعّة العقليّة ، جوهريّة كانت أو عرضيّة والأشعّة الجسمانيّة ليس حصولها بانتقال عرض أو انفصال جوهر منها ولا بزمان ، وهو المطلوب .